أبي بكر الكاشاني
210
بدائع الصنائع
لان الحفظ في المصر أكمل من الحفظ في السفر إذا السفر موضع الخطر الا إذا خاف التلف عليها فاضطر إلى الخروج بها فخرج لا تدخل في ضمانه لان الخروج بها في هذه الحالة طريق متعين للحفظ كما إذا وقع في داره حريق أو كان في سفينة فخاف الغرق فدفعها إلى غيره ولو قال له احفظ الوديعة في دارك هذه فحفظها في دار له أخرى فإن كانت الداران في الحرز سواء أو كانت الثانية أحرز لا تدخل في ضمانة لان التقييد غير مفيد وإن كانت الأولى أحرز من الثانية دخلت في ضمانه لان التقييد به عند تفاوت الحرز مفيد وكذلك لو أمره ان يضعها في داره في هذه القرية ونهاه عن أن يضعها في داره في قرية أخرى فهو على هذا التفصيل ولو قال له اخبأها في هذا البيت وأشار إلى بيت معين في داره فخبأها في بيت آخر في تلك الدار لا تدخل في ضمانه لان البيتين من دار واحدة لا يختلفان في الحرز عادة بخلاف الدارين فلا يكون التعيين مفيد حتى لو تفاوتا بأن كان الأول أحرز من الثاني تدخل في ضمانه والأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا أن كل شرط يمكن مراعاته ويفيد فهو معتبر وكل شرط لا يمكن مراعاته ولا يفيد فهو هدر وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تجب مراعاة الشروط في المواضع كلها حتى أن المأمور بالحفظ في بيت معين لا يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة وجه قوله إن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه فلا يترك هذا الأصل الا لضرورة ولم توجد وصار كالدارين والجواب نعم إذا تعلقت به عاقبة حميدة فاما إذا خرج مخرج السفه والعبث فلا لان التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز يجرى مجرى العبث كما إذا قال احفظ بيمينك ولا تحفظ بشمالك أو احفظ في هذه الزاوية من البيت ولا تحفظ في الزاوية الأخرى فلا يصح التعيين لانعدام الفائدة حتى لو تفاوتا في الحرز يصح بخلاف الدارين والأصل في الدارين اختلاف الحرز فكان التعيين مفيدا حتى لو لم يختلف فالجواب فيها كالجواب في البيتين على ما مر ( فصل ) وأما بيان حال الوديعة فحالها انها في يد المودع أمانة لان المودع مؤتمن فكانت الوديعة أمانة في يده ويتعلق بكونها أمانة أحكام منها وجوب الرد عند طلب المالك لقوله تعالى جل شأنه ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى لو حبسها بعد الطلب فضاعت ضمن هذا إذا كانت الوديعة لرجل واحد فاما إذا كانت مشاعا لرجلين فجاء أحدهما وطلب حصته لا يجب عليه الرد بأن أودع رجلان رجلا وديعة دراهم أو دنانير أو ثيابا وغاب ثم جاءه أحدهما وطلب بعضها وأبى المستودع ذلك لم يأمره القاضي بدفع شئ إليه ما لم يحضر الغائب عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقسم ذلك ويدفع إليه حصته ولا يكون ذلك قسمة جائزة على الغائب بلا خلاف حتى لو هلك الباقي في يد المودع ثم جاء الغائب له ان يشارك صاحبه في المقبوض عندهم جميعا ولو هلك المقبوض في يد القابض ثم جاء الغائب فليس للقابض ان يشارك صاحبه في الباقي وجه قولهما ان الاخذ بأخذ حصته متصرف في ملك نفسه فكان له ذلك من غير حضرة الغائب كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين فإنه يدفع إليه حصته لما قلنا كذا هذا ( وجه ) قول أبي حنيفة ان المودع لو دفع شيئا إلى الشريك الحاضر لا يخلو اما ان يدفع إليه من النصيبين جميعا واما أن يدفع إليه من نصيبه خاصة لاوجه إلى الأول لان دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعا ولا سبيل إلى الثاني لان نصيبه شائع في كل الألف لكون الألف مشتركة بينهما ولا يتميز الا بالقسمة والقسمة على الغائب غير جائزة ولو سلمنا ذلك حتى قالا إذا جاء الغائب وقد هلك الباقي له ان يشارك القابض في المقبوض ولو نفذت القسمة لما شاركه فيه لتميز حقه عن حق صاحبه بالقسمة والقياس على الدين المشترك غير سديد لان الغريم يدفع نصيب أحد الشريكين بدفع مال نفسه لا مال شريكه الغائب وهنا يدفع مال الغائب بغير اذنه فلا يستقيم القياس ولو كان في يده ألف درهم فجاءه رجلان وادعى كل واحد منهما انه أودعه إياها فقال المودع أودعها أحد كما ولست أدرى أيكما هو فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين اما أن اصطلح المتداعيان على أن يأخذا الألف وتكون بينهما واما أن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما ان الألف له خاصة لا لصاحبه فان اصطلحا على ذلك فلهما ذلك وليس للمودع ان يمتنع عن تسليم الألف إليهما لأنه أقران الألف لاحد هما وإذا اصطلحا على أنها تكون بينهما لا يمنعان عن ذلك وليس لهما ان يستحلفا